عبد الملك الخركوشي النيسابوري
133
تهذيب الاسرار في أصول التصوف
« أدبر » فأدبر كذلك ، ثم قال له : « اجلس » فجلس كذلك ، فقال اللّه عزّ وجلّ : « وعزتي وجلالي وعظمتي » ما خلقت خلقا أحب إلىّ منك » . وقال ابن عباس : إن اللّه يبتلى المؤمن بالفقر شوقا إلى دعائه . وكان أبو ذر يقول : الفقر أحب إلىّ من الغنى ، والذل أحب إلىّ من العز ، وبطن الأرض أحب إلىّ من ظهرها . وقال الواسطي : احتقار الفقر ، وسرعة الغضب ، وحب المنزلة من رؤية النفس ، وهي خلع العبودية ، ومجاذبة الألوهية . وقيل ليحيى بن معاذ : ما الفقر ؟ قال : خوف الفقر . وروى عن علي بن أبي طالب - عليه السلام - عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « إذا أبغض الناس فقراءهم ، وأظهروا عمارة الدّنيا ، وتكالبوا على جمع الدراهم ، رماهم اللّه تعالى بأربع خصال ؛ بالقحط من الزّمان ، والجور من السّلطان ، والخيانة من ولاة الأحكام ، والشّوكة من الأعداء » . وقال بشر بن الحارث : رأيت أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب - عليه السلام - في المنام ، فقلت : قل شيئا لعلّ اللّه تعالى ينفعني به ؟ فقال : ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب اللّه عزّ وجلّ ، وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء ثقة باللّه تعالى . قال : فقلت : تريدني يا أمير المؤمنين ، فأنشأ يقول : قد كنت ميتا فصرت حيا * وعن قليل تصير ميتا عزّ بدار الفناء بيتا * فابن بدار البقاء بيتا وقيل في قوله عز وجل : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 1 » ، قال : الذين يتكبرون على الفقراء ويتذللون للأغنياء . وقال أبو سعيد الخراز : معاداة الفقراء بعضهم بعضا غيرة من الحق عليهم لئلا يسكن بعضهم إلى بعض . وقال بعضهم : حقيقة الغنى هو الاستغناء عن الشئ لا الاستغناء بالشئ . وقال بعضهم : حقيقة الفقر القيام على بساط الاضطرار ، بقدم الافتقار بالذل والانكسار ، مع دوام الابتهال وحسن الانتظار .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 146 .